غير مسموح تماما بالنقل !

الأربعاء، 11 أبريل 2012

الـ ــ ــ ــ ــدقــ ــ ــ ــ ــات

زاحمت الدموع فى عينيه .. وبقيت هناك .. يأبى كبرياء رجل أن تنساب على وجنتيه .. لم يعد قادرا على تمييز ملامح من يتحدث إليه .. ويصل صوته لمسامعه كصدى يتردد من مكان بعيد .. انفصل فجأة عن عالمه .. وتباعدت روحه عن هذه الأرض رويدا رويدا .. دارت حياته أمام عينيه .. ياااه لم يظنها قصيرة إلى هذا الحد .. لا تعرف ذلك مطلقا إلا عند حد النهاية .. وهاهو يقف عنده أو يكاد .. تاركا وراءه السنوات .. لماذا لم يفكر بهذه اللحظة من قبل؟ .. لماذا لم تخطر بباله وسط انشغاله بالحياة؟ .. لماذا لم يتذكر الموت؟


مرت لحظات لم يسمع فيها سوى دقات قلبه المتسارعة .. ودقات الساعة .. التى بدت كما لو كانت تسابق دقات قلبه .. تجمدت عيناه على عقارب الزمن .. مهلا .. لم تسرعى هكذا! .. إن كل دقة تقربه من ساعة الرحيل .. تزايدت الدموع فى عينيه .. جاهد ليمنعها من النزول .. وجاهدت بدورها لتفلت من عينيه وتنساب بحرارة على وجهه .. مازال الصوت يتردد من بعيد .. وبقايا ملامح تتماوج فى عينيه الدامعتين .. قبض بيده على الأوراق التى تحوى توقيع الأطباء على بقايا عمره .. ومضت خطواته شاردة .. تطاردها الدقات .. تكاد تصم آذانه .. أسرع بالهرب .. اخترق الكتل البشرية المتماوجة أمام عينيه .. ولاح من بعيد باب الخروج .. دفعه وانطلق خارجا .. لفح وجهه الهواء البارد .. وتسبب فى إطلاق دموعه الأسيرة .. أتراه يبكى الدنيا أم يبكى نفسه


مضت لحظات قبل أن يرفع عينيه .. تأمل مظاهر الحياة الصاخبة .. مازالت تغرهم كما غرته .. لا يجد لها بريقا الآن .. لم تعد تفتنه .. سيودعها بعد قليل .. إنها النهاية .. لا يمكنه الهرب منها .. سينتظر قدره .. سينتظره مع كل دقة من دقات الساعة .. آآآه الآن تتنحى الحياة جانبا وتفسح الطريق للموت .. وما عليه سوى الإنتظار .. ما أقسى هذا على نفسه .. ليت الحياة تشغله كما كانت تفعل .. ليتها تنسيه .. لا .. لقد فات الأوان .. لم تعد تنفعه الدنيا .. لم يعد يريدها .. توقفت خطواته فجأة .. ورسم اليأس فكرة فى رأسه .. لم عليه أن ينتظر الموت .. إنه يكره الإنتظار .. لم لا يذهب هو إليه أولا .. لم يفكر كثيرا .. نزل من فوق الرصيف .. ابتسم فى سخريه .. أكان مازال يخشى على حياته .. مضى يخترق الطريق المزدحم بالسيارات .. تعالت الأبواق الغاضبة من حوله .. تتهمه بالحمق والجنون .. مضى بينهم غير مباليا .. إنه لن ينتظر الموت .. فلتأتى النهاية إذن .. بين أصوات الأبواق الساخطة .. وصل مسامعه ضحكات صافية لطفلة جميلة تلهو فوق الرصيف .. بينما تمسكها يد أمها محاولة السيطرة على حركات الصغيرة المندفعة نحو الطريق الخطر .. مرت عيناه عليها للحظات قبل أن يتابع طريقه .. وفجأة .. صرخة قوية إنطلقت من الأم المرتاعة عندما أفلتت الصغيرة من يدها وإنطلقت بسرعة نحو الطريق


التفت بسرعة نحو الصغيرة التى ما زالت تقطع الطريق وتنشر ضحكاتها الصافية التى لم تعرف بعد معنى الخوف .. انتفض قلبه بقوة .. وأسرع فى إتجاه الصغيرة متجاوزا السيارات المسرعة المتوجهه نحو الصغيرة كوحوش جائعة .. لم يدر كيف استطاع أن يعدو بهذه السرعة .. وفى لحظة واحدة كان يحمل الصغيرة ويعدو بها على الجانب الآخر من الطريق .. تقطعت أنفاسه وهو ينظر للطفلة ليتأكد من أن لم يصيبها سوء .. امتزجت عيناه بابتسامة عينيها الصافيتين .. عجبا .. أقدر له أن ينقذ هذه الزهرة التى مازالت تتفتح على عتبة الحياة قبل أن يدهسها الموت .. الموت الذى كان ذاهبا هو للقائه قبل لحظات .. ما أعجب هذه الحياة .. مازالت تلقى له بمفاجآتها حتى وهو يودعها .. انتبه من أفكاره على يد حانية تلمس وجهه .. نظر للصغيرة وهى تمسح بكفها الصغير بقايا دموع عالقة بين عينيه .. رسم حنانها ابتسامة على وجهه .. أمسك بالكف الصغير يقبله .. أتراها الحياة أشفقت عليه وأرسلت إليه هذا الملاك الصغير لينقذه .. إنها الحقيقة .. فهو لم ينقذ تلك الصغيرة .. بل هى التى أنقذته من لحظة اليأس المجنون .. ضمها بحنان الأب إلى صدره .. وحملها بين ذراعيه وتوجه بها حيث تقف أمها حائرة .. لم تتمكن من عبور الطريق .. عبره بحرص إلى الجانب الآخر .. طبع على جبينها قبلة قبل أن تحتضنها أمها بلهفة .. ولسانها يلهج بالدعاء له .. ابتعدت خطواتها عنه وهى تحملها .. والصغيرة تلوح له بيديها الصغيرين .. وابتسامة الشمس تشرق على محياها الجميل .. اتسعت ابتسامته وهو يودعها بدوره .. شعر بشىء عجيب يتخلل نفسه .. يبدد ظلامها .. ويبعث الأمل من جديد .. نظر لساعة يده .. لقد تأخر عن عمله .. مضى فى طريقه على الرصيف وهو يفكر .. ربما استحقت الحياة أن يعيش ما تبقى من عمره .. حتى لو كانت لحظات تحسبها الدقات ...

يـــــوم كنت ملكـــــــة (30)

حاولت للمرة المائة التركيز فى صفحة الكتاب التى أحاول قراءتها منذ ساعة مضت دون فائدة .. كان عقلى يتجاوز الحروف ويسبح بعيدا عنها .. هناك أفكار عدة تتداخل فى عقلى مخلفة ضجيج يشق صمت المكان حولى .. أطلقت تنهيدة أفرغت كل توترى وأنا أتطلع لساعة الحائط وأتساءل فى نفسى عن سبب تأخر ......


- أمى .. أمى لقد عدت
انبعثت موجات من الفرح مع نبرات صوت ابنتى الحبيبة وهى تُحدث جلبتها المعهودة فور دخولها إلى البيت


ابتسمت لها وهى تقترب منى وتنحنى نحوى لتطبع قبلتها على جبينى .. نظرت فى عينيها وأنا أحاول النفاذ لعقلها لأستشف منه ما بإمكانه أن يبطئ دقات قلبى المتسارعة قبل أن أهتف بها


- طمنينى يا ريم


نظرت نحوى بشقاوة ولم تجب
قلت بنفاذ صبر


- ريم .. لا وقت لدعاباتكِ السخيفة الآن .. أخبرينى


قالت لى بمكر
- وكم ستدفعين مقابل إخباركِ؟


لوحت بالكتاب الذى بين يدى وأنا أقول بتهديد
- ماذا عن ضربة محكمة فى الرأس مباشرة؟


أشاحت بيديها وهى تضحك ثم قالت
- حسنا لا داع لذلك .. سأخبركِ


رفعت رأسها بزهو وهى تقول
- الآن فقط يمكنكِ أن تنادينى بالمهندسة ريم حسام


خفق قلبى بقوة وأنا أردد
- حقا يا ريم


احتضنتنى بقوة وهى تقول
- نعم يا أمى .. فلم أكن لأخذلكِ وأبى أبدا


ربت على رأسها بحنان وأنا أقول من بين دموعى
- مبارك يا ابنتى .. لقد حققتِ لى أغلى أمنية يا حبيبتى


رفعت رأسها ونظرت لى وهى تقول
- أتدرين ما هى أمنيتى أنا يا أمى؟


نظرت لها بعينين متسائلتين


نظرت لى بصمت للحظات قبل أن تقول برجاء


- أتمنى أن تتركى هذا المقعد ولو قليلا


تحسست مقعدى بصمت وأنا أهز رأسى نفيا


انقضت علىّ فجأة وهى تجذب يدى وتقول
- بل ستفعلين يا أمى .. وحالا


أطلقت شهقتى وأنا أراها تنتزعنى من مقعدى وتحتله فى انتصار وهى تهتف كالأطفال
- وأخيرا تمكنت من الجلوس على عرش الملكة


نظرت لها بشرود وعقلى يسبح بعيدا .. ليوم ابتاع فيه حسام ذلك المقعد الباهظ الثمن الذى يشبه العرش الملكى وأصر على ألا أجلس على مقعد سواه فهو ما يليق بالملكة


قالت هى بسعادة
- ياااه ما أجمل الجلوس على العرش وكأننى ملكة


وضعت يدى على خاصرتى وأنا أقول
- عندما تذهبين لمملكتكِ ستكونين ملكة وقتها أما الآن .....


جذبتها من فوق عرشى وأنا أضيف
- فأنتِ فقط أميرة ولا يحق لكِ إعتلاء عرشى


دقت الأرض بغضب طفولى وهى تقول
- سأطلب من أبى أن أجلس عليه أنا


أجبتها بثقة وأنا أعود لمكانى
- لن يسمح لكِ .. فلتحلمى كما تشائين


تنهدت وهى تقول


- نعم يا أمى أنا أحلم .. أحلم بأن أكون ملكة وأن يعاملنى زوجى مثلما يعاملكِ أبى .. يا إلهى لم أر أبدا رجل مثله يملك رقة وحنان الكون ويحبكِ بجنون .. أكاد أقسم أنه لم يغضبكِ يوما طيلة حياتكما معا


تدفقت الذكريات بعقلى لكل لحظاتى مع حسام وارتسمت ابتسامة واهنة على شفتى وأنا أردد بشرود


- نعم .. لم يغضبنى أبدا .. لم يمنحنى لحظة حزن .. ولم يسكب بعينى دمعة واحدة .. ولم يظلمنى يوما


اقتربت منى وهى تهمس
- أليس أبى أروع رجل على وجه الأرض


ابتسمت لها وأنا أجيب
- هو كذلك وأكثر يا ريم


أجبتها بصدق وعقلى يرحل بعيدا لتلك الأيام الطويلة المؤلمة التى أعقبت الحادث .. كان إحساسه العميق بالذنب تجاهى يقتله .. لم يكن يعرف كيف يمكنه أن يمحو عنى لحظات الألم ويبعث الأمل فى نفسى من جديد .. كم من مرة استيقظت فيها ليلا لأجده يجلس على مقعدى المتحرك وينتحب بشدة وهو يقول أن هذا يفترض أن يكون مكانه هو لا أنا .. كنت أشفق عليه بشدة فقد كاد الحزن أن يذهب بعقله .. كنت أراه على حافة الجنون وكنت على استعداد لعمل أى شىء ليخفف عنه آلامه


وقد تمسكت بذلك الأمل الواهن فى أن تعود قدمىّ للحياة من جديد وتشبثت به بقوة .. ومرت شهور طويلة عانيت فيها بشدة من العلاج المرهق والتدريبات الشاقة وقد ساندنى حسام بكل قوته حتى حقق الله لنا أملنا وعادت الحياة شيئا فشيئا إلى قدمىّ وإلى حسام نفسه الذى بدأ يستعيد توازنه من جديد


الحمد لله أن ثبتنا فى تلك المحنة وذلك الابتلاء والذى خرجت منه أكثر قوة وأيمانا ورضا بقضاء الله تعالى وقد منّ الله علينا بعدها بريم التى ملأت علينا حياتنا وزادتها فرحا وبهجة


وها هى اليوم تنهى دراستها وتصبح مهندسة مثلما حلمت طوال حياتها وحلمنا معها .. حمدا لك يا إلهى


والآن لم يتبق الكثير ليتحقق حلمى الجميل بأن أرى ابنتى فى أجمل أيام حياتها وحياتى .. يوم تكون هى الملكة وأرسلها مع مليكها إلى حيث مملكتها الجديدة والتى أتمنى أن تحمل لها كل سعادة الكون


- لماذا تبكين يا أمى؟
أفقت على ملمس أناملها الرقيقة وهى تمسح دمعة فرت من عينى دون أن أشعر


ابتسمت لها وأنا أقول
- إنها دموع فرح


قامت فجأة وهى تهتف بسعادة
- سأتصل بوالدى لأخبره .. سيسعد كثيرا لأجلى هو أيضا


تابعتها وهى تخطو بخفة كفراشة ربيع .. كم تذكرنى بشبابى تلك الريم


ياااه لقد مر العمر أسرع مما ظننت .. كبرتِ يا شهد وعما قريب ستكونين جدة .. أطلقت ضحكة خافتة وأنا أتخيل أحفادى يلهون حولى ويكملوا سعادتى برؤيتهم .. عدلت من وضع نظارتى الطبية على عينى وأنا أرفعها لتلامس الصورة العزيزة التى تحتل الحائط منذ سنوات طويلة وابتسمت لتلك الملكة السعيدة التى تجلس بشموخ على عرشها داخل الإطـــار


******************
تمت بحمد الله
******************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (29)

بدأ الظلام ينجلى ببطء عنى وبدأ وعيى يعود تدريجيا .. لا أعرف تماما أين أنا ولا ماذا حدث .. أشعر بشعور عجيب وكأننى قد تحررت من جسدى وأسبح فى فضاء لا متناهى .. أين أنا؟ .. ماذا حدث؟ .. ما هذا الضباب الذى يكسو عقلى ويحجب عنى كل شىء؟


وكبقعة ضوء ظهرت فجأة فى ظلام دامس .. تذكرت دفعة واحدة .. الصور والأصوات تتداخل فى عقلى وتتوالى بشكل سريع لا يمكن ملاحقته
هناء .. ملاكى الصغير .. أمى .. الحفل .. الرسالة .. هشام .. أنت لا تفهم شىء .. انتِ طالق .. انتظر اسمعنى .. لا أطيق رؤيتكِ .. السيارة .. الاصطدام .. لاااااااا .. حساااااااام


- حساااااام
انتفضت وأنا أصرخ بها قبل أن يئن كل جسدى من انتفاضتى .. كنت ممدة على فراش أبيض تتصل بجسدى أشياء عدة لا أعرف كنهها وهناك على مقعد يجاورنى يتكوم جسد ما قد انتفض معى على صوت صرختى وجلس ينظر لى بذهول وعينان متورمتان من أثر بكاء عنيف


نظرت نحوه طويلا قبل أن أتعرفه
- حسام .. أهذا أنت؟


اقترب منى ببطء ونظر لى قليلا قبل أن ينهار إلى جوارى على ركبتيه ويدفن رأسه فى صدرى وهو يبكى بشدة وينتحب كطفل صغير


حاولت رفع يدى لأربت على رأسه لكن لم أستطع .. آلام رهيبة تنتشر فى كل شبر من جسدى .. وكأن أحدهم قد قام بطحن عظامى جميعا


انتظرته حتى أفرغ دموعه على صدرى ثم رفع عينيه نحوى وهو يقول بصوت متهدج
- لم فعلتِ هذا يا شهد؟


منحته ابتسامة واهنة وعقلى يسترجع الأحداث بشكل أكثر وضوحا
كانت تلك السيارة قد اقتربت من حسام ولم يعد هناك مفر من اصطدامها به وقد حاولت إبعاد حسام عنها فى اللحظة الأخيرة وقمت بدفعه بكل قوتى ليسقط على جانب الطريق بعيدا عن السيارة التى أصبحت أنا فى مواجهتها ولم يعد لدى الوقت للهرب منها


تقلص وجهى فى ألم وأنا أتذكر لحظة الاصطدام الرهيبة وذلك الوحش المعدنى البارد يطيح بجسدى الذى ارتفع أمتارا فى الهواء قبل أن يسقط على الأرض بكل عنف ويظلم الكون فى عينى


نظرت إليه وما زالت الابتسامة الشاحبة تحتل شفتى فى وهن وأنا أقول فى مرح مصطنع
- وهل تظن أننى سأتركك تذهب عنى بتلك السهولة؟ .. يبدو أنك لم تعرف شهد جيدا حتى الآن


واكتسى وجهى بعلامات الجدية والمرارة وأنا أكرر
- لم تعرفها أبدا


انهار حسام مجددا وأمسك بيدى يقبلها ويغسلها بدموعه وهو يقول


- سامحينى يا شهد .. لا أدرى أى جنون حل بى لأفعل ما فعلت .. أنا لا أستحق أن تضحى بنفسكِ من أجلى .. ليتك تركت تلك السيارة لتدهسنى أنا .. لتدوس قلبى الذى ظلمكِ وجرحكِ بكل قسوة .. ليتنى كنت مكانك يا حبيبتى


أطبقت يدى بوهن على يده وأنا أقول
- لا تقل هذا يا حسام .. أتتمنى لى هذا العذاب .. أنا لن أحتمل مطلقا أن يصيبك سوء


ونظرت له بنظرة عتاب وأنا أضيف
- حتى لو كنت ظلمتنى ورفضت حتى الاستماع لى


قبل يدى بدموعه مرة أخرى وهو يردد
- مجنون .. أنا مجنون يا شهد .. مجنون بحبكِ الذى لا أتخيل أن تمنحيه لغيرى .. لقد أعمتنى تلك الفكرة عن رؤية أى شىء .. كنت أريد الموت على أن أحيا لحظة واحدة وهى حقيقة ماثلة أمامى


رفعت يدى ودفعت جبينه بوهن وأنا أقول
- مجنون وغيور .. تغار من طفل ذو سبعة أيام من العمر


نظر لى والمرارة تكسو ملامحه والندم ينهش كيانه وهو يقول بخفوت
- سأفعل أى شىء .. أى شىء فقط لتسامحينى .. حتى لو .....


عض شفتيه بمرارة قبل أن يضيف
- حتى لو أردتِ أن أختفى من حياتكِ وأن لا تريننى مرة أخرى


ثم أغمض عينيه فى ألم وقال
- سأفعل .. من أجلكِ سأفعل


نظرت له طويلا قبل أن أقول
- أحقا ستفعل أى شىء


هز رأسه بصمت وهو ينظر لى بتوجس وأكاد أسمع صوت ضربات قلبه تدوى حولى كالطبول


نظرت نحوه طويلا قبل أن أقول
- أعدنى ملكة يا حسام


نظر لى للحظات بذهول قبل أن يتهاوى على صدرى وتنتابه نوبة بكاء هستيرية جديدة ثم رفع عينيه لى ويقول
- أنتِ دوما ملكتى وستظلين كذلك للأبد


تأوهت بوهن قبل أن أسأله
- لماذا لا أشعر بساقىّ يا حسام؟


نظر لى مجددا بعينين لا أكاد أراهما من أثر الدموع قبل أن يحتضن كل كيانى بذراعيه ويتشبث بى كطفل صغير يرفض أن تتركه أمه وحيدا وأخذ يبكى بشدة وصوت نحيبه يتجاوز جدران الغرفة ويكاد يبلغ عنان السماء ومعه يسقط قلبى إلى حيث ساقين مجردتين من الإحساس


**************


أيام وأيام من الآلام المتواصلة .. لا أكاد أغفو من الألم الذى ينهش كل جسدى .. والذى أحاول إخفاؤه عن حسام الذى لا يفارقنى لحظة و يكاد يموت إلى جانبى ببطء من شدة الندم .. لكم أشفق عليه .. على الأقل قد جاءت آلامى بفائدة .. وقربت حسام منى لدرجة لم أتخيلها من قبل .. فقد بات ملتصقا بروحى .. معانقا قلبى .. مختلطا بأنفاسى .. ممتزجا بذاتى .. يسكب دموعه كالمطر دون توقف حتى بت أخشى عليه وأتمنى الشفاء لأجله فقط .. لم أكن أعرف أنى أحبك إلى هذه الدرجة يا حسام .. تلك اللحظة التى دفعتكِ فيها من أمام الموت كانت بلا ذرة تفكير .. لم أكن لأتخيل حياتى دونك .. لم أكن أتخيل أن تغادرنى بتلك البساطة وأن تختفى من حياتى ومن الحياة ذاتها .. لم أكن لأسامح نفسى وقتها أبدا يا حبيبى .. مهما فعلت فقلبى يسامحك .. فأنت طفلى الكبير ولن يمكننى الغضب منك مهما حدث


بعد معاناة كبيرة قرر الأطباء أخيرا تحريرى من هذا المكان المقبض وإرسالى إلى البيت .. كانت أمى تصر على أن أذهب معها لبيتنا حتى تتمكن من رعايتى .. لكنى أصررت وكذلك حسام على عودتى لمملكتى الخاصة حيث أقسم لها حسام بأنه سيرعانى فى كل لحظة ولن يجعلنى أحتاج لشىء أبدا .. كانت حالته مثار للشفقة و تشبثه الشديد بى قد دفع أمى إلى قبولها أن أغادر لبيتى على أن تقوم بزيارتى يوميا ليتمكن حسام من الذهاب للعمل .. الأمر الذى استلزم إلحاح شديد من جانبى حتى وافق فلم يكن يرغب فى أن يتركنى للعمل أو لأى شىء آخر


وقد أخفيت عن أمى وكل من حولى أمر تلك المشادة التى حدثت بينى وبين حسام ومن ثم تطليقه لى وملابسات الحادث الأليم .. فقط أخبرت الجميع أنه كان حادث قد حدث فى أثناء عبورى الطريق .. فلم أكن لأجلب على حسام المزيد من الآلام إذا ما علمت أسرتى بالأمر .. لم أكن لأعرضه لجحيم نظراتهم الغاضبة وأبث فى قلوبهم نيران الحقد نحوه .. يكفى ما حل به الآن وقد زاده موقفى هذا ندم وشقاء .. ولكم أتألم له كما أتألم لنفسى وأكثر


عدت إلى مملكتى أخيرا .. كم افتقدت كل ركن فيها .. عانقت عيناى كل زاوية ولثمت كل قطعة أثاث وربتت على كل جدار .. حنين يتدفق بى إلى كل مكان .. إلى كل ذكرى .. إلى كل لحظة سعادة و حتى كل لحظة حزن .. إلى كل ابتسامة وكل دمعة .. ذلك المكان الذى احتوانى وأحلامى أشعر بالانتماء إليه بقوة


وقفت أمام صورة كبيرة لى أنا وحسام تخلد لحظة غالية لأجمل أيام حياتى .. يوم كنت ملكة


نظرت لها وعقلى يسبح بعيدا قبل أفيق على صوت حسام وهو يقول
- حمد لله على سلامتك يا مولاتى الملكة


نظرت له وأنا أردد
- ملكة!!


انحنى نحوى وهو يقول
- نعم ملكة وستظلين ملكة حياتى إلى الأبد


ابتسمت بشرود وقد دمعت عيناى برغم محاولاتى لتصنع السعادة وحجب براكين الألم التى تتفجر داخلى كل لحظة


نعم عدت لمملكتى ملكة تعتلى عرشها


عرش متحرك ذو عجلات


************************
لم لا نقدر قيمة ما بأيدينا حتى نفقده أو نوشك على ذلك
***********************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (28)

زلزال مدمر شقق الأرض تحت قدمى وهدم جدران البيت فوق رأسى وأنا أقف ذاهلة لا أقو على إبعاد تلك الأنقاض التى تحاول دفنى تحتها بعدما منحنى حسام صك طردى من مملكتى ومن حياته للأبد


أبهذه البساطة تنصب لى محكمة فى دقيقة واحدة تكون فيها القاضى والجلاد وتُصدر حكمك علىّ دون أن تستمع إلى كلمة واحدة منى


أترمينى بأبشع تهمة يمكن أن تتهم بها زوجة دون دليل سوى ما أردت أنت رؤيته وتصديقه .. كيف هنت عليك إلى هذه الدرجة؟ .. كيف أعمتك غيرتك المجنونة عن رؤية الحقيقة أو حتى عن سماعها منى؟


أصدرت حكمك علىّ بالخيانة وألقيت بى خارج حياتك بكل قسوة .. أى ظلم هذا .. أى قلب تحمل بين ضلوعك يا حسام ذلك القادر على نزع حبى من أوردته وطرد عشقى من حجراته الأربعة ونزف شهد من أعماقه بتلك السرعة


كل هذا وأنا أقف متصلبة كتمثال فى طريقه ليتهاوى ويندثر ثم لن يذكره أحد .. كل هذا وأنا أقف أرتجف كورقة .. يمضغنى الصمت .. تشلنى الصدمة .. يقتلنى سهمه الغادر الذى أطلقه فى لحظة جنون بلا رحمة


أمسكت برسالتى الصغيرة بيد مرتعشة وكلماتها التى كتبتها بمداد فرح لملاك صغير لا يعلم عن ظلم البشر شيئا .. لا يعلم أن كلماتى البريئة له سيترجمها آخر إلى رسالة خبيثة كُتبت بمداد الخيانة الأسود وسيجعل منها وثيقة إعدامى .. وسيأخذنى من سماوات السعادة التى كنت أحلق فيها منذ لحظات ليلقى بى فى هاوية مظلمة لا تحوى سوى العذاب والألم لمن فيها .. ستبتلع صرخاتى التى لن تصل لأحد .. ستحطم قبضتى حين أدق جدرانها الباردة .. ستبتلع دموعى حين تهطل كالمطر دون أن تمتد لى يد حانية لتمسحها عنى وتنتشلنى من أعماق الهاوية وتعيدنى للحياة من جديد


شددت قبضتى على الرسالة قبل أن أنتفض من مكانى وأتوجه إلى الغرفة حيث حسام يستعد ليغادر البيت ويغادر حياتى للأبد دون أن يمنحنى فرصة للدفاع عن نفسى


وقفت أمامه وجراحى تنزف وأكاد أتهاوى من فرط الصدمة ولكن ما زال هناك رمق أخير فىّ يشبث بالحياة ويمنحنى بعض القوة لمواجهته


- حسام يجب أن تسمعنى


لم يجبنى وهو يرتدى سترته ويتجاوزنى متوجها نحو الباب


- حسام انتظر


عدوت خلفه وأنا أناديه لكنه لم يتوقف .. كان الغضب يقود خطواته ليبتعد عنى وأنا ألاحقه بكل كيانى الرافض لاتهامه الظالم والراغب فى الدفاع عنى بكل قوته


- حسام .. حسام انتظر


كنت أعدو خلفه على الدرج حتى تقطعت أنفاسى ولم ألحق به .. خرجت إلى الطريق وبحثت عنه حتى وجدته يقطعه بذات الخطوات الغاضبة العمياء .. جريت نحوه وأنا أنادى به فى يأس ليسمعنى فقط .. ليمنحنى فرصة واحدة وبعدها فليذهب .. لا أطيق أن أعيش لحظة واحدة وأنا أبدو خائنة فى نظره .. لا يمكننى الحياة وذلك السهم السام مغمود بصدرى .. مخترقا قلبى الذى ما عادت به دماء لينزفها .. لقد تجمدت من هول الصاعقة التى حلت بى من دون ذنب


- حسام .. انتظر .. اسمعنى أرجوك


كانت تلك صرخاتى وأنا أعدو خلفه


التفت نحوى قائلا بغضب
- لا أريد أن أسمع صوتكِ .. اذهبى إليه الآن .. أنا لم أعد أطيق رؤيتكِ ...................


لم أسمع باقى كلماته القاتلة .. لم يعد باستطاعتى ذلك .. لقد توقف الكون من حولى .. أصبح كل شىء كصورة فوتوغرافية صامتة بلا ألوان .. لم يعد فى مجال رؤيتى سوى تلك السيارة التى لا يقل سائقها جنونا عن حسام الآن وهى تقترب منه كوحش معدنى يفغر فاه ويوشك على ابتلاعه .. يا إلهى لقد تعطلت كل حواسه وسيطر عليه الجنون حيث لم يعد يميز كونه يقف فى منتصف طريق خطر تجتاحه الوحوش المعدنية وتدهس كل ما فى طريقها بلا رحمة


للحظات لم يمكننى التحرك .. تجمدت أنا الأخرى وصرت جزء من تلك الصورة الصامتة قبل أن ينتفض شىء ما بداخلى ويجبرنى على أن أمد يدى نحو حسام بسرعة وبكل قوتى ولكن لم تكن لسرعتى أن تنافس سرعة السيارة أبدا .. وصرير عجلاتها يصرخ معلنا حدوث الاصطدام الحتمى المريع


ومن أعماق قلبى انطلقت آآآآآآآآآه تعانق السماء


قبل أن يصمت كل شىء وتُغلف الصورة كلها باللون الأسود


**********************
لحظات فارقة بين الحياة والموت ندرك فيها أننا أهدرنا العمر فيما لا يستحق
**********************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (27)

للحظات وقفت مبهوتة ويده تمسك بالورقة وكأنها وثيقة إدانتى .. وعيناه تشتعل بنيران كنت ظننتها خمدت منذ زمن .. كنت قد نسيت أمر هشام وتلك الحماقة التى صنعتها والتى جعلته غريما لحسام ونثرت أشواك الشك حوله وأرسلت أفكار حسام نحوه إلى الجحيم وقد فشلت بعدها فى نزعها من رأسه


المارد قد استيقظ ثانية .. عاد من تحت الرماد أكثر اشتعالا وجنونا
إنه يظن أننى قد كتبت رسالتى هذه إلى هشام شقيق هناء .. إلى هذه الدرجة فقدت ثقتك بى يا حسام .. ربما أكون قد أخطأت لأنى لم أخبرك أن هناء قد أطلقت اسم هشام على مولودها الصغير ولكنى لم أظنك ستهتم بالأمر .. والآن تتهمنى أنا بأننى أكتب رسالة لرجل آخر.. ما الذى يدفعنى إلى ذلك يا حسام؟ .. أى جنون قد أفقدك صوابك يا زوجى


أفكار وأفكار تدور فى رأسى وصرخات متوالية يطلقها عقلى عوضا عن لسانى الذى لم يعد بإمكانه النطق الآن من أثر تلك الطعنة التى أصابنى بها زوجى فى صميم قلبى


كانت عيناه مسلطتان علىّ تصب الحمم فوقى بلا توقف ويده تعتصر الرسالة وهو يطلق سهامه السامة فى أذنى
- هل اشتقتِ إليه لهذا الدرجة ؟ .. كنتِ صامتة وشاردة طوال الوقت وما أن علمتِ بعودته حتى لم تعد الدنيا تسعكِ من الفرح


هززت رأسى وأنا أتراجع للوراء بذهول من كلماته.. بل من طعناته التى لا ترحم .. وهو يقترب منى ببطء مطلقا المزيد من السهام


- وبلغت بكِ الجرأة لتكتبى رسالة تصفين فيها اشتياقكِ له وسعادتكِ بعودته


زادت ضربات قلبى بجنون وتلك الاتهامات المتوالية التى يطلقها حسام نحوى تحرقنى كجمر مشتعل


حاولت أن أقول شيئا أو أفعل شيئا لكن أى من أعضائى لم يطعنى وكأننى أصبت بالشلل


لفنا صمت مهيب وكأن كل ما حولى يشاركنى صدمتى .. لم أعد أسمع سوى صوت أنفاس حسام التى تلهث بغضب لم أره قبل اليوم


استجمعت كل قوتى لأنطق بوهن
- حسام


وكأنه كان ينتظر كلمتى لينفجر بوجهى
- اصمتى .. لا تنطقى حروف اسمى مرة أخرى .. لا أريد سماع صوتكِ أبدا


احتشدت دموع القهر فى عينى وأنا أقول بخفوت كأنى أخشى أن يسمع صوتى
- أنت لا تفهم شيئا هشام هذا هو .........


صرخ بغضب هادر
- لا تنطقى اسمه أمامى


وصمت للحظات وكفه على جبينه وهو يردد
- كم كنت ساذجا .. كيف لم انتبه لكما كما يجب .. كيف تركتكِ لتتمادى بهذا الشكل وتعبثين فى غفلة منى و ..............


- كفى اااااااا


صرخت به بقوة فلن يمكننى تحمل المزيد


اقترب منى وهو يكمل متجاهلا صرختى
- أخبرينى إلى أى مدى بلغت خيانتكِ؟


صرخت به بثورة أكبر وقد تهاوى فىّ كل تعقل


- كفى .. قلت لك كفى


اعتدل واقفا وهو يرمقنى بصمت ينذر بكارثة قبل أن يقول
- نعم .. يكفى هذا .. يكفى بحق


نظرت له والانفعال يزلزلنى ويمنعنى عن السؤال عما تعنيه كلماته


وقد جاء سهمه الأخير لينغمد بقلبى ويمزق روحى ويبعثر كيانى ويهدم أرجاء مملكتى فوقى بلا رحمة


- أنتِ طالق يا شهد


**************************
يـا حــامل الخنــجر لا تغمده بصدر أقرب الناس قبل أن تتبين
***************************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (26)

ما أجمل احساس الأمومة .. أشعر به يتدفق فى كل ذرة فى كيانى .. ينثر باقات من الفرح حولى .. أصبح ذلك الصغير هو شاغلى .. كل يوم أذهب لأراه وأحمله بين يدى وأهمس له عن حبى الكبير الذى يفيض من قلبى كالشلال .. لقد جنبنى هذا الملاك لحظات شقاء طويلة كنت سأحياها فى غيابه .. لقد منحنى السعادة كما لم يفعل أحد من قبل .. لقد ألقى بذرة أمل لتنبت فى قلبى بأن يكون لى ملاكى الخاص ذات يوم .. وإلى أن يشاء ربى فسأظل قرب ذلك الملاك ليعوضنى بعض حرمانى وليروى بعض حنينى وليطفىء بعض اشتياقى .. شكرا لكرمك يا إلهى .. وحمدا لك على نعمتك الغالية


اليوم هو اليوم السابع لوصول ملاكى الصغير .. سبعة أيام من الفرح منحها لنا .. واليوم سنعد له احتفالا يليق به .. كم كنت أشعر بالسعادة هذا اليوم .. وذهبت مع أمى وانتقيت له هدية جميلة مثله .. واستعددت لاحتفال المساء وقمت بإنهاء كل ما يشغلنى حتى أتفرغ لموعد الحفل وطلبت من حسام كذلك أن ينهى كل مشاغله مبكرا ليصحبنى إلى هناك .. كنت ألحظ علامات الدهشة على وجه حسام لتحولى المفاجىء من الصمت والشرود إلى الحيوية والسعادة التى أنا عليها الآن .. ولم أقل له سر هذا التحول فقد لا يصدق كون ملاك صغير يخص ابنة خالتى قادر على تغييرى إلى تلك الدرجة


قبل الذهاب بقليل تذكرت أننى لم أدون شىء فى البطاقة المرافقة للهدية .. جلست وأمسكت بالقلم وفكرت فيما سأكتبه لملاكى .. أردت أن تكون كلماتى مميزة ليقرأها عندما يكبر وليعلم كم أن ماما شهد أحبته كثيرا


أبعدت البطاقة جانبا وكتبت كلماتى فى دفتر الرسائل كعادتى حتى أرتب كلماتى جيدا ومن ثم أنقلها لبطاقة الهدية


وكتبت له


" حبيبى هشام


حمدا لله على سلامتك


لن تعرف أبدا حجم سعادتى بوصولك


وقدر الفرح الذى غمرنى برؤيتك


فقد أحببتك كما لو كنت ................


- شهد
قاطع أفكارى صوت حسام وهو ينادينى


أجبته
- ماذا هناك يا حسام؟


وقف على باب الغرفة وقال
- والدتكِ تنتظركِ على الهاتف


قمت مسرعة لأجيب على الهاتف وأنا أكاد أطير من فوق الأرض وتجاوزت حسام ونظراته المندهشة كالعادة حتى وصلت للهاتف وتناولت سماعته وأنا أجيب بمرح


- نعم يا أمى .. لحظات وأكون جاهزة .. حاضر .. مع السلامة


وضعت سماعة الهاتف والتفت لأعود للغرفة ثانية قبل أن أصطدم بحسام الذى كان يقف خلفى متصلبا وتعبير عجيب يكسو وجهه


سألته فى مرح
- ماذا بك .. لم تقف هكذا كتمثال أبى الهول؟
وأعادتنى الكلمة لذكرى جعلتنى أُطلق ضحكة عالية أدمعت عينى .. لقد كنت تستحق اللقب حينها يا حسام بلا منافس


سألنى فجأة
- هل عاد هشام شقيق هناء من السفر؟


أجبته دون حذر من أثر نوبة الضحك التى انتابتنى
- نعم عاد ليحضر الاحتفال بالمولود الجديد


سعلت بعدها مرتين قبل أن أسأله وكأننى فقدت الذاكرة
- لماذا تسأل؟


التمعت عينيه ببريق مخيف وكأنهما جمرتين مشتعلتين وهو يقول ببطء


- لقد نسيتِ أن تتمى له رسالتكِ


ورفع الورقة التى كنت أخط بها رسالتى للصغير أمام عينى ليعيد اسم هشام الذاكرة إلىّ من جديد


وليسقط قلبى فى قدمى


********************
لا تهادنى ذاكرة الشك
********************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (25)

الأيام تمضى بى .. والزمن يخطو فى طريقه الأبدى دون أن يلتفت خلفه .. وكل يوم يُنزع من صفحات العمر لا يمكن إرجاعه بأى ثمن .. لم يعد لى سوى حلم واحد أتضرع لله كل يوم أن يحققه لى .. أريد طفلا يملأ حياتى .. يكمل كيانى .. يشبع روحى .. يسعد قلبى .. يقر عينى .. يفعل كل ما بإمكانه أن يُشعرنى بالحياة تسرى بعروقى وتنساب بأوردتى وتعلن لقلبى أنه ما زال ينبض


حنين يتدفق بى دون توقف .. أصبحت أراقب الأطفال أينما ذهبت وأتخيل طفلى أو طفلتى بينهم .. ترى كيف سيكون شكلهما؟ .. ما لون بشرتهما؟ .. أيرث عينى حسام؟ .. أم تُمنح خصلات شعرى؟ .. أيوهب طول أبيه؟ .. أم تُهدى قوام أمها؟


أفكار صاخبة تحتشد برأسى لن تكف عن الضجيج .. وأطياف صغيرة لن تفارق مخيلتى حتى تصبح واقعا ملموسا .. أشعر بها تنادينى .. تتعلق بثوبى .. تمد أيديها الصغيرة لى وتطالبنى بحملها .. وأمد يدى لها فتعانق الفراغ .. تحتشد الدموع فى عينى وتهطل لتغسل ما حولى وتمحو كل أثر لأطيافى الحبيبة


سأجن حتما إذا ما بقيت على تلك الحالة التى بدأ حسام فى الانتباه لها ولشرودى المستمر والذى ألمح فى عينيه ملامح الضيق منه .. ولكن لم يعد هناك مكان للتفكير بذلك .. كل خلايا عقلى تتجه معا فى صوب واحد وتلتحم فى فكرة واحدة باتت تسيطر علىّ بجنون أخشى عواقبه


ماذا لو لم يمن علىّ الله بتلك النعمة الغالية؟ .. ماذا لو كنت ممن يشاء الله أن يجعله عقيما؟ .. ماذا سأفعل وقتها أمام مشيئة مولاى وخالقى؟ .. يا إلهى لطفا بى وبقلبى .. لطالما ساعدتنى وأعنتنى فى شدتى .. وأبعدت عنى كل سوء وصنت بيتى من كل شر .. تلك هى دعوتى ورجائى منك .. يا رب امنحنى أغلى نعمك وسأسكنها قلبى وأحفظها بروحى وأجعلها مثلما تحب وترضى


يـــــــــــا رب


أفقت من شرودى على صوت الهاتف .. أجبته بصوت واهن بلا تركيز لكن ما لبثت أن عدت للوعى بقوة حين سمعت صوت أمى الحنون وهى تخبرنى بسعادة أن هناء ابنة خالتى العزيزة قد رزقها الله بمولود اليوم وأنها والمولود فى خير حال .. شعرت بدقات قلبى تعلو كالطبل وقلبى يتراقص بين ضلوعى كطفل صغير يود الخروج من جسدى ويطير حيث هى هناء وملاكها الصغير


أخبرت أمى أننى سأستأذن حسام فى الذهاب معها إلى هناء للاطمئنان عليها .. وبالفعل دقائق معدودة وكنت فى طريقى إليها أنا وأمى .. ياااه كيف مر الوقت بتلك السرعة .. هناء عروس الأمس القريب باتت أم ووهبها الله نعمته الغالية .. كم أشعر بالسعادة لها وكم أدعو لنفسى بمثلها


وجدت قلبى الذى سبقنى إليها هناك كان يحط على مهد صغير يحوى ملاك برىء جميل كزهرة .. رقيق كقطرة ندى .. نقى كنسمة فجر
ما أجملك يا صغيرى .. حملته بحنان بين يدى وأنا أتأمله عن قرب .. تلك هى المرة الأولى التى يتسنى لى فيها الاقتراب من ملاك مثله إلى تلك الدرجة .. شعور عجيب يتملكنى بأنى ملكت الدنيا كلها ما بين يدى .. سعادة كبيرة تغمر كيانى وتكسونى بلون الفرح وكأنه طفلى أنا .. أنا من حملته فى أحشائى .. أنا من سعدت به وتألمت منه وأحببته قبل أن أراه


هناك خيط خفى قد رُبط ما بين قلبى وقلبه الصغير .. هناك شيئا فى أعماقى قد تحرك برؤيته وتشبث به ويأبى أن يدعه يبتعد .. لقد وقعت فى حب هذا الصغير من اللحظة الأولى .. حب عميق وكبير وقوى وقادر على أن ينتزعى من عالم الأطياف الذى أسكنه ويجذبنى لعالم الواقع حيث ما زالت الأحلام تتحقق


أتعلم يا صغيرى كم أنت محظوظ .. سيكون لك وحدك زوج من الأمهات .. نعم سأكون أنا أمك الثانية .. فقط عليك أن تخبرنى إذا ما ضايقتك تلك الهناء فى شىء


قاطع حديث قلبى للصغير صوت هناء وهى تهتف بى
- جميل جدا .. لقد استحوذ عليكِ بالكامل هذا الصغير وأنساكِ حتى أن تطمئنى علىّ


نظرت نحوها وأنا أقول
- عذرا هناء لم ألحظ وجودكِ


رفعت حاجبيها فى دهشة وهى تقول
- حقا .. وهل تحولت لطيف حتى لا تريننى


أجبتها بسرعة
- لا تتحدثى عن الأطياف الآن أرجوكِ


ونظرت للطفل بابتسامة وأنا أضيف
- فالواقع أكثر جمالا بكثير




أشارت نحوى وهى تسأل أمى
- ما بها ابنتكِ هذه يا خالتى؟


ابتسمت لها أمى قبل أن ترمينى بتلك النظرة التى لم تترك فى نفسى ذات الأثر ككل مرة فقد كانت سعادتى بذلك الصغير تفوق أى إحساس آخر الآن


تصنعت الغضب وأنا أهتف بهناء
- هلا صمتى قليلا .. أريد أن أحادث الصغير بهدوء


قربته منى وأنا أهمس له
- ملاكى الصغير أود أن أعترف لك بشىء


(أنا أحبــــــــك)


********************
حب إلهى ذلك الذى يحيط بتلك الكائنات النقية ليصب فى القلب مباشرة دون استئذان
**********************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (24)



أحتاج الآن إلى فترة نقاهة بكل تأكيد .. أقنعت حسام بالحصول على إجازة قصيرة من العمل وقمنا بالسفر بعيدا عن كل المشكلات والمضايقات بعدما اختفت شيرين من فوق حدود مملكتى وأيضا بعدما سافر هشام ابن خالتى للعمل فى إحدى الدول العربية .. الأمر الذى أراح زوجى الغيور والذى فشلت فى إزاحة تلك الفكرة عن رأسه للأسف .. لا يهم ذلك الآن .. المهم أننى أقضى أجمل أيام حياتى مع حسام .. وأننى سعيدة بحق


كنت أجلس مغلقة العينين استمع إلى صوت البحر وتلاطم أمواجه بانسيابية وهى تنثر رائحته الذكية حولى .. كم أحب تلك الرائحة كثيرا


شعر بشيئا ما يمس قدمى .. فتحت عينى فلامست وجه جميل وبرىء لطفل صغير لا يتجاوز الثلاث سنوات .. ابتسم لى ببراءة وهو يلتقط الكرة الصغيرة التى مست قدمى .. داعبت خصلات شعره بأناملى وأنا أمنحه ابتسامة بدورى قبل أن يعدو مبتعدا عنى وهو يطلق ضحكاته الصافية التى عانقت صوت البحر فى أذنى


كم أشتاق ليكون لى طفل جميل .. كيف انشغلت عن هذا الحلم؟ .. كيف أخذتنى دوامة الحياة ومشاكلها عن التفكير فى تلك الأمنية الغالية؟ .. يا إلهى كم أتمنى أن أصير أم إنه لقب أغلى وأهم من كونى ملكة
يا رب كم كنت كريما معى .. أسألك من فيض كرمك وعطائك أن تهبنى طفلا يملأ علىّ حياتى ويكون لى ولحسام قرة عين


غرقت فى أحلام يقظة وأنا أتخيل أطفالى حولى يلهون ويتشاكسون ويأتى كلا منهم يشكو لى الآخر وأنا أقوم بفض شجار لينشب آخر من جديد .. يا لها من حياة


أفقت على صوت حسام ينادينى


- شهد .. فيم أنتِ شاردة هكذا؟


أجبته بشرود لم يفارقنى بعد


- كنت أراقب طفلنا


اتسعت عينا حسام وهو يقول
- ماذا؟


أشرت بيدى نحو البحر وأنا أقول
- انه يسبح هناك يا حسام .. ألا تراه؟


مد حسام يده يتحسس جبينى وهو يقول
- حرارتكِ ليست مرتفعة .. ماذا بكِ إذن .. هل أصبتِ بدوار البحر وأنتِ تجلسين على الشاطئ؟


نظرت له وأنا أحاول أن أستفيق قبل أن يتهمنى بالجنون
- لا عليك يا حسام .. لقد كنت أحلم فقط


- تحلمين!!


نظرت نحوه وأنا أحاول أن أغوص فى أعماقه قبل أن أسأله
- ألا تحلم أنت أيضا بطفل جميل يملأ علينا حياتنا


ابتسم بمرح وهو يقول
- ألا يكفيكِ ذلك الطفل الكبير بجانبكِ .. أتريدين آخر ليصرفكِ عنى وعن تدليلى


ابتسمت له وأنا أجيب
- وهل يمكنك الغيرة من قطعة منك .. ربما ستنافسنى فى تدليله وقتها


ونظرت فى عينيه وأنا أضيف
- أعلم أن هذا هو حلمك أيضا


هز رأسه بصمت ولم يجب وقد مد يده وتناول النظارة الشمسية ليحجب بها عينيه عن نظراتى


ما الذى تحاول أن تخفيه عنى يا حسام؟ .. أعلم جيدا مدى اشتياقك لطفل مثلى تماما .. رغم كونك لم تتحدث إلىّ بهذا الشأن أبدا .. هذا هو حلمنا المشترك الذى لم يتحقق بعد .. والذى لا أتمنى سواه الآن .. لا شىء يجلب السعادة كما يفعل ذلك الكائن الصغير الصاخب .. تلك الرغبة التى تكبر بداخلى منذ كنت طفلة تدلل عرائسها وتهتم بها كأم ترعى صغارها قد فاضت من خلايا جسدى وتطالبنى بتحقيقها


تنهدت فى صمت وتعلقت عيناى بالسماء وقلبى يدعو خالقه


"ربى لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين"


وحين هوت عيناى على صفحة المياه الزرقاء خُيل إلىّ أن ذاك الطفل الذى بزغ فجأة من بين الأمواج يبتسم لى


********************
النساء أمهات منذ ميلادهن يتحملن مسؤولية كل من حولهن
والرجال أطفال منذ ميلادهم ويظلوا كذلك طوال عمرهم
********************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (23)

أشعر أن حياتى باتت معلقة بين هذين اليومين .. عيناى تتابع دقات الساعة كأنى أخشى أن تستنزف ما بقى منهما قبل أن أفكر فيما علىّ فعله بعدها .. أنا لا أعرف شيئا عن تلك (الشيرين) ولا عن أهلها .. لا أعرف حتى عنوان منزلها .. لقد أطلقت تهديدى دون أن يستند إلى أى دعامات تجعله واقعا ملموسا ومؤثرا .. وراهنت فقط على بقايا المشاعر الإنسانية التى قد تكون لازالت هى تحمل بعضا منها وبالأخص الخوف من الفضائح وإثارة الأقاويل التى تهدد سمعتها


حاولت قدر الإمكان أن أخفى انفعالاتى عن حسام ولكنى ما زلت أفحص هاتفه وأسأله بعفوية عن عمله والذى أصبح من عاداتى كلما عاد إلى البيت


لم يحدث شىء فى اليوم الأول


وانتظرت فى ترقب اليوم الثانى والأخير .. وقد بدأت بالفعل فى التفكير بخطتى القادمة .. لن تأخذنى الشفقة بها .. فهى تستحق ما سأفعله
ولكن لابد من تحريك الأمور قليلا .. لابد من نفخة صغيرة لتتوهج النيران وتنذر بالويل


ووجدت فكرة


اتصلت بالشركة وتأكدت من كون شيرين بمكتبها


قمت برفع سماعة الهاتف الأرضى وأبقيتها جواره وبعدها اتصلت بحسام على هاتفه من هاتفى الخاص وأنا أتصنع التأثر والبكاء


- حسام


أجابنى صوته
- نعم يا شهد ماذا بكِ؟


- ...........


جاءنى صوته متوترا


- شهد لماذا تبكى؟


أجبته بتأثر
- الرسالة يا حسام


- أية رسالة؟


- الرسالة .. الرسالة أنا لا أسمعك يا حسام ارفع صوتك أكثر


أجابنى بصوت مرتفع سمعته الشركة كلها على ما أظن


- عن أى رسالة تتحدثين؟ .. أنا لا أفهم شيئا


- حسام أنا لا أسمعك أبدا .. آلو


ثم أغلقت الخط والهاتف وأنا أدعو الله أن يحقق لى ما أرجوه




عاد حسام إلى البيت واستقبلته بابتسامة كبيرة وأنا أحاول أن أستشف من وجهه أية أخبار جديدة


سألنى بعد فترة
- لقد حاولت الاتصال بكِ كثيرا


أجبته ببراءة
- وأنا أيضا يبدو أن الاتصالات كانت سيئة اليوم


هز رأسه بصمت ثم عاد يسألنى
- عن أية رسالة كنتِ تتحدثين؟


تنهدت فى تأثر وأنا أمسك بهاتفى وأقربه منه
- اقرأ بنفسك


تناول الهاتف وقرأ الرسالة التى أرسلتها لى إحدى صديقاتى بناء على طلبى قبل أن يقول
- مؤثرة فعلا


ثم أضاف بابتسامة
- لم أعلم أن قلبكِ بهذه الرقة حتى تبكيكِ تلك الرسالة


أجبت برقة
- ها قد علمت الآن


قام من مكانه وتوجه للغرفة قبل أن يتوقف قرب الهاتف ويقول
- لم تكن سماعة الهاتف فى موضعها


أجبته ببراءة
- حقا لم ألحظ ذلك .. لا أدرى ماذا بى .. سأذهب لأعد الطعام


على مائدة الطعام وكالعادة سألته عن يومه فى العمل .. فوجئت به يضحك بشدة وكأنه يستعيد فى ذهنه ما يستدعى ذلك


نظرت له بدهشة حتى فرغ من الضحك وقد دمعت عيناه وكاد يغص بالطعام الذى فى فمه ثم سألته


- ما الذى يضحك هكذا يا حبيبى؟


أجابنى بعدما هدأ قليلا


- لقد تذكرت تلك المشاجرة فى المكتب


- أية مشاجرة؟


- لقد تشاجرت زميلتاى فى المكتب معا وقد كانت الفرجة مجانية لكل الشركة


أخفيت توترى وأنا أسأله


- من تقصد تلك السيدة والأخرى التى ...........


انفجر بالضحك ثانية وهو يقول
- نعم تلك التى صببت العصير فوقها ذلك اليوم


سألته ببراءة
- وهل المشاجرات تستدعى كل هذا الضحك؟


أجابنى بعدما هدأ قليلا


- نعم حين تكون بين امرأتين .. يا إلهى لقد كانت مباراة للمصارعة النسائية .. لم يتمكن أى منا من فض الاشتباك بينهما


شهقت وأنا أقول
- إلى هذه الدرجة .. وما سبب تلك المشاجرة يا ترى؟


- لا أدرى فكل منهما تلقى الاتهامات على الأخرى والحق أن كل منهما لا تطيق الأخرى .. الجميع يعرف ذلك


سألته وقلبى يتواثب فى صدرى
- وماذا حدث بعد ذلك؟ .. أعنى ما نتيجة ذلك الشجار؟


- واحد – صفر


وانفجر فى الضحك مجددا .. ضغطت على اسنانى ومنحته ابتسامة صفراء .. هذا ليس وقت دعاباتك السمجة يا حسام


- أعنى .. ربما وقع عليهما عقاب ما من الشركة .. أليس كذلك؟


مط شفتيه قائلا
- لا أظن .. ما لم تتقدم إحداهما بشكوى ضد الأخرى


سألته مجددا
- وهل فعلت إحداهما هذا؟


رفع عينين متسائلتين نحوى وهو يقول
- ولماذا تهتمين بأمرهما؟


ابتسمت ببراءة وأنا أجيب
- لا شىء .. ولكن يضايقنى أن تثار الضغائن بين زملاء العمل فالأفضل أن تكون العلاقة بينهم جيدة


أجابنى بهدوء
- لن تحدث المزيد من المشكلات بعد اليوم


اقتربت منه بكل كيانى وأنا أسأله
- ماذا تعنى؟


أشاح بيده وهو يقول بلا اهتمام
- لقد تقدمت شيرين بطلب نقل لفرع الشركة الآخر وأظنه قد تم قبوله




هل سمعتم ما سمعته أم أننى أهذى من فرط أحلام اليقظة .. ظللت أنظر له ببلاهة وفم مفتوح حتى لاحظ ذلك أخيرا وقال


- ماذا بكِ يا شهد .. لم تنظرين إلىّ هكذا؟


- ......................


- شهد


أفقت على نداءه وحاولت استعادة نفسى من بين فكىّ الذهول الذى اعترانى ويطبق على نفسى دون أى رغبة منه فى تحريرها


هل تحلمين يا شهد؟ .. لا بل هى الحقيقة .. لقد اختفت شيرين كفقاعة صابون .. هكذا ببساطة .. أية بساطة لقد كدت احترق .. كنت فى طريق لأصبح رماد امرأة إذا ما انتصرت علىّ تلك الخبيثة وسلبتنى مليك حياتى .. حمد لك يا إلهى


ذهب حسام للنوم .. وقمت أنا بسجدة شكر لله على مساعدته لى لتخطى تلك المحنة الصعبة .. كان لسانى يلهج بالشكر والحمد وقلبى يتقافز من السعادة والفخر لانتصارى بعون الله فى الحرب التى دارت رحاها بقوة دون حتى أن يعلم حسام بها


لم يبق سوى خطوة واحدة


دخلت إلى حيث كان حسام نائما وقمت بالتقاط هاتفه وفككته وانتزعت منه الخط الخاص به وأخفيته جيدا .. ثم بعثرت أجزاءه على الأرض وأنا أُحدث جلبة من شأنها أن توقظه


قام بفزع وهو يقول


- ماذا هناك ؟


رسمت نظرة أسف فى عينى وأنا أقول
- آسفة يا حسام لقد كنت أريد وضع هاتفك على الشاحن ولكنه سقط من يدى


تنهد وهو يقول
- لا عليك .. لم يحدث شىء


أجبته بحزن وأنا أتصنع البحث فيما حولى بحيرة
- ولكنى لا أجد الخط الخاص بك .. لقد بحثت عنه فى كل مكان .. يا إلهى يبدو كما لو كان تبخر


صمت قليلا ثم قال
- لا يهم سأبتاع خط جديد


ونظر للهاتف بشرود وهو يضيف
- كنت أود ذلك منذ فترة


وضع الهاتف جواره ثم عاد للنوم وخرجت أنا من الحجرة وابتسامة كبيرة تعلو وجهى ويدى تطبق على خط الهاتف


هناك زوجين من خطوط الهاتف علىّ التخلص منهما الآن .. وهناك مكالمة واحدة وأخيرة لمقر عمل حسام فقط ليطمئن قلبى وبعدها فلنقل


وداعــــــا أيتها الأفعــــى


*****************
إن كيــــدكن عظيــــم
*****************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (22)

حان وقت تلقين تلك الأفعى درسا لن تنساه .. درسا يعيدها لجحرها مدى الحياة .. يعلمها ألا تحاول أن تبنى بيتا فوق الأنقاض .. وألا تشترى سعادتها بشقاء أخريات .. وألا تنصب الشراك للإيقاع بأزواج ملكات لا ذنب لهن سوى أنهن قد سبقنها فى حمل اللقب .. لا أدرى أى نوع من البشر هذه التى تبلغ بها الأنانية إلى محاولة هدم حياة كاملة وتمزيق قلب أخرى لم تصنع بها سوءا وربما لم تقابلها يوما .. أى طباع وحشية تملكين أنتِ وأمثالكِ ممن يعشقن خراب البيوت وهدمها على رؤوس ساكنيها الأبرياء


وبدأت العمل فى غير وجود حسام


أعدت تركيب الخط الجديد وقمت بإرسال رسالة إلى هاتفها


" أعرف كل ما تفعلينه وأراقبكِ جيدا ولن أظل صامتة إذا لم تكفى عن محاولاتكِ الرخيصة وتصرفاتكِ الوقحة فسأعمل بنفسى على فضح ما تفعلين عند أسرتكِ أولا وعند زوجة زميلكِ ثانيا وأظن وقتها لن يروقكِ الأمر كثيرا وستنالين ما يستحقه أمثالكِ وأنا أتشوق لذلك أكثر ولكن شيئا ما دفعنى لتحذيركِ أولا لتتحملى وحدكِ وزر ما تقرريه بعد ذلك .. هذا تحذيرى الأول والأخير لكِ"


أعدت قراءة الرسالة مرارا ثم توكلت على الله وقمت بإرسالها
ظل الهاتف يرقد فى كفى وعيناى فوق شاشته حتى وصل اتصالها .. لم يخب ظنى فى تلك الفتاة .. وقاحتها فاقت الحدود .. أتملكين الجرأة للاتصال بعد ما قرأتِ؟


ضغطت على زر إلغاء الاتصال وقمت بإرسال رسالة أخرى


" لا تحاولى الاتصال بى .. فأنا لن أرد على أمثالكِ ولن ألوث أذنى بصوتكِ .. واعلمى أننى جادة تماما فى ما قلت وأنا أراقبكِ جيدا وسأعرف إذا ما تماديتِ فى أفعالكِ .. لا تلومى سوى نفسكِ وقتها "


قمت بإرسال الرسالة وبعدها نزعت الخط من الهاتف وأعدت تركيب الخط القديم وأنا أدعو الله أن يعيننى ويمنحنى القوة لإبعاد تلك الأفعى عن زوجى ولحمايته من الوقوع فى شراكها الخبيثة


ساعدنى يا رب


أفقت على صوت أذان العشاء يصب فى روحى .. توجهت للنافذة وروحى ترحل للسماء وقلبى يناجى خالقه وعيناى تدمع خشوعا للمولى


أعلم أنك لن تخذلنى يا إلهى .. يقينى بك يمدنى بالقوة ويغمرنى بالطمأنينة


فرغت من الصلاة وغبت فى ملكوت ربى وكأن روحى تسبح هنالك ولم يعد يربطها بى شىء .. شعور عجيب يتسلل لقلبى .. وشفافية تكسو روحى .. لم أعد أخاف شيئا .. حقا لم يعد هناك ما يخيف


مرت عدة أيام قمت خلالها بفحص دورى لهاتف حسام والذى لم يصبه اتصال واحد منها خلال تلك المدة .. تلك نقطة جيدة .. لكنها تظل لا تكفى
يجب أن أطمئن بنفسى .. فهى مازالت أمامه كل يوم وربما محاولاتها معه لازالت مستمرة .. اتصلت برقم شركة حسام وسألت عنها فقام من رد علىّ بتحويل المكالمة لها وانتظرت حتى سمعت صوتها الغنوج .. تصنعت الوقار وأنا أحادثها كسكرتيرة محترفة وطلبت منها بلهجة رسمية أن تنتظر قليلا على الهاتف .. استمعت للحظات لما يدور حولها كانت ضجة عادية لمكتب عمل .. لا أدرى ما الذى دفعنى لإبقائها على الهاتف كل هذا الوقت .. لكنى فوجئت بكلماتها تخترق أذنى


- ألن تفطر معى يا حسام؟


أصابنى الذهول واعتصرت سماعة الهاتف بيدى وأنا أكاد أنفذ من خلالها إلى حيث هى لأهديها صفعة على سبيل فتح الشهية


لم أتمكن من سماع صوت حسام جيدا لكنى سمعت كلماتها له
- ولكن لطعامى مذاق آخر


يا ثلوج القطبين .. أفرغا كل ما تحويان فوقى لتطفئا بركان الحمم الذى يتدفق بأعصابى الآن ويكاد يسيل عبر سماعة الهاتف ليمحو كتلة الوقاحة تلك من فوق وجه الحياة


لم أسمع رد حسام أيضا ولكنى استنتجته من تلك التنهيدة الغاضبة التى أطلقتها هى ثم أتبعتها بهتاف حانق


- آلو .. إلى أين ذهبتِ؟


نظرت لسماعة الهاتف للحظات قبل أن أغلقها بقوة قادرة على إصابتها بالصمم


اللهم أفرغ علىّ صبرا قبل أن أفرغ جام غضبى عليها


لابد من حل آخر


قمت بالاتصال بالشركة ثانية وسألت من أجابنى عما إذا كانت لشركتهم فروع أخرى .. فأجابنى بأن هناك فرع آخر للشركة بالفعل .. شكرته وأنهيت المكالمة


حسنا أعتقد أن الوقت قد آن لانتقال الآنسة إلى الفرع الآخر علها تجد به ضالتها بعيدا عن زوجى أو أى زوج آخر


أعدت تركيب الخط الجديد وبدأت فى كتابة رسالة جديدة وأخيرة


" يبدو أنكِ لم تأخذى كلامى بجدية .. لقد فعلت ما علىّ وأنذرتكِ ولكنكِ لم تكترثى كثيرا .. هناك رسالة مفصلة سيتسلمها والدك بعد يومين من الآن وأخرى ستتسلمها زوجة زميلكِ فى ذات الوقت إن لم تقومى بتقديم طلب لانتقالكِ إلى فرع الشركة الآخر .. ارحلى بهدوء بدلا من إثارة فضائح لا داع لها وإن كنتِ تستحقينها فأنا أشفق على أسرتكِ المسكينة التى ابتليت بابنة مثلكِ .. تلك رسالتى الأخيرة"


يومين فقط يا شيرين .. ابتعدى بهدوء وإلا فتحت عليكِ أبواب جهنم .. وسأجعلكِ تندمين كثيرا أيتها الوقحة


************************
ذودى عنه بكل أسلحتكِ والله المستعان
************************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (21)

عليكم تخيل الأمر .. آنسة تقترب من الثلاثين سن الرعب لكل فتاة لم تحمل لقب (مدام ) بعد .. ويبدو أنها تحاول أن تحظى باللقب بأى شكل كان .. حتى لو جعلت من نفسها سلعة تُعرض على الجميع دون حياء بتبرجها وتصرفاتها المبتذلة .. وقد وجدت صيدها فى المكتب الذى يجاورها والذى صادف بكون من يحتله هو حسام زوجى .. وقد سولت لها نفسها المريضة بأن بإمكانها استمالة حسام لها بل وبلغت بها أحلامها بأن تتخيله زوج المستقبل وربما قد أقنعت نفسها بكون منصب زوجة ثانية ليس بهذا السوء .. وربما أيضا بدأت بوضع الخطط التى تتيح لها أن تقوض أرجاء مملكتى وتنتزع منى عرشى لتكون هى الملكة الوحيدة


يالأحلامكِ التى تفوقكِ وقاحة .. من تظنين نفسكِ يا هذه .. لقد اقتربت من حقل ألغام سينفجر بوجهكِ لينسفكِ وأحلامكِ نسفا .. لست أنا تلك الملكة الغافلة التى يمكنكِ العبث فوق حدود مملكتها دون أن تلحظ ذلك .. لقد أخطأتِ كثيرا وستدفعين ثمن فعلتكِ غاليا


لم يعد لى عمل آخر خلاف التفكير بعمق ووضع الخطط المتوالية ودراستها جيدا .. تحولت إلى قائد فى إحدى الثكنات العسكرية لا هم له سوى الدفاع عن حدوده ضد الأعداء .. وقد أدهشتنى مقدرتى تلك على التخطيط التى لم أكن أعرف أننى أمتلكها .. تلك الغريزة بداخلى التى كانت نائمة بأمان بفعل ثقتى فى حسام وفى نفسى قد استيقظت فجأة فور إحساسها بالخطر وبدأت فى العمل سريعا لتذود عن مملكتى ضد تلك الدخيلة


نعم يجب ألا استهين بها أبدا مهما كان حجم ثقتى بزوجى .. فهى ماثلة أمامه كل يوم فى عمله ويقضى معها وقتا أكبر مما يقضيه معى ناهيك عن تبرجها وملابسها وتصرفاتها الخالية من الحياء ورغبتها فى الحصول على رجل يؤمن لها الحياة التى تتمناها ويمنحها لقب عمرها .. فقد نسجت خيوطها كعنكبوت ماهر ولا ينقصها سوى أن تدفعه إليها ليشتبك بها ولن يمكنه الفكاك من براثنها أبدا .. ومهما كان فهو رجل قد يسقط فى لحظة ضعف ووقتها لن يتمكن من النهوض ثانية .. لذا كان على الاستعداد جيدا


اختفت كل الأشياء التى من شأنها أن توتر أجواء مملكتى .. ونحيت جانبا كل ما يثير الضيق والغضب وبالطبع الغيرة أيضا .. وأغدقت شلالا من الحب والاهتمام والحنان فوق قلب حسام ومشاعره التى تشبعت تماما ولا مجال لها للاستزادة من الآخرين ولاسيما الدخلاء المبتذلين


هناك مكالمات دورية للاطمئنان على زوجى الحبيب فى عمله .. هناك رسائل يومية تدق هاتف حسام تصف اشتياقى له منذ غادرنى وحتى عودته .. هناك وريقات صغيرة أخفيتها فى جيوب بذلته كتبتها بمداد قلبى العاشق .. هناك تفصيلات صغيرة تلاحق حسام طوال اليوم بحيث لم يعد يرى مما حوله سوى شهد .. وشهد فقط


وقد نجحت تماما والحمد لله فى ما فعلت واستعنت بالله عليه وقد عاد لى حسام زوجى كما أريد .. أصبحت أرى اللهفة فى عينيه فور دخوله للبيت .. أصبح هاتفى يدق عدة مرات فى اليوم ليطمئن هو علىّ من عمله .. أصبحت هناك عدة باقات من الورود تُهدى إلىّ فى أوقات مختلفة .. أتصدقون ذلك؟! .. والأهم من ذلك أصبح حسام يتجاهل الهاتف إذا ما أصابه اتصال من رقم أعرفه كما تعرفونه أيضا .. بل أنه يهرب منه ويأتى قربى كأنه يحتمى بى من ذلك الصياد المجنون الذى يطارده .. كنت أضمه بحنان وأمرر أصابعى فى خصلات شعره كأنه طفلى المدلل .. وقد سألته فى إحدى المرات عن ذلك المتصل السخيف .. فزفر بضيق وهو يخبرنى بكونه شخص لا يُطاق .. أطلق قلبى تنهيدة عميقة .. وضممته بحنان أكبر وقد وعدته بقلبى أن أحميه وأذود عنه كما لم يحلم من قبل


لا تخف يا حسام .. لن تجرؤ تلك الوقحة على مضايقتك بعد اليوم .. لن تجرؤ أبدا


*************************
الحب المتبادل بينك وبين زوجتك هو حارس خاص على باب قلبك يحميه من الوقوع فى شباك الصيادين
*************************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (20)

بعد تفكير قصير اتصلت بحسام واستأذنته فى الذهاب لرؤية أمى بعض الوقت .. أغلقت الهاتف بعد الحصول على موافقته .. وقمت بالاستعداد للخروج وذهبت لأمى طبعا .. هل تظنونى أكذب على زوجى .. لست أنا من تفعلها .. جلست معها بعض الوقت فقد كنت افتقدها فعلا ولكن عقلى ظل منشغلا بأمور أخرى .. بعد انتهاء زيارتى لها قمت بالتوجه مباشرة لعمل حسام .. كانت شركة كبيرة تعج بالموظفين .. سألت عن مكتب حسام .. ومضيت فى الطريق الذى وصفه لى أحد العاملين حتى وجدته .. نظرت له من خلال النافذة الكبيرة .. كان مكتب كبير نوعا ما يشاركه فيه أربعة موظفين .. رجل فى العقد الخامس من عمره تقريبا , وشاب من نفس عمر حسام وسيدة تكبرنى بسنوات عشر على أقل تقدير وشابة تكبرنى قليلا .. يصعب عليك تعرف سنها من الأصباغ التى تطلى وجهها بها بشكل مبالغ فيه ناهيك عن شعرها المصبوغ وملابسها اللافتة للنظر .. لا ينقصها سوى لافتة تعلقها على صدرها تدعو فيها أحدهم للزواج منها .. لابد أنكم عرفتموها جيدا كما عرفتها أنا من الوهلة الأولى .. كان حسام منشغل بالحديث مع عميل ما وكانت هى تختلس النظر إليه من حين لآخر .. ماذا تظن نفسها تلك الأفعى .. هل أصابها العمى حتى لا ترى تلك الدبلة الفضية التى تعانق إصبعه والتى نُحت عليها اسم شهد .. كفى عن النظر إلى ما لا يخصكِ يا أنتِ حتى لا أقوم باقتلاع عينيكِ الوقحتين هاتين بنفسى .. لم أكن وحدى التى تصب نظراتها الغاضبة عليها فقد كانت تلك السيدة زميلتها ترميها بنظرات كالشرر .. إنها تفهمها جيدا على ما يبدو .. تلك نقطة لابد من أخذها فى الاعتبار


انتظرت حتى خرج ذلك العميل من المكتب .. وابتعدت قليلا وراقبت حسام الذى دفن وجهه بين الأوراق وتأكدت أنه لم يختلس تظرة واحدة نحو تلك الأفعى .. شكرا يا حسام .. لقد سهلت مهمتى كثيرا .. كم كان قاتلا بالنسبة لى أن أحارب فى جبهتين .. اتسعت ابتسامتى وأصلحت من هندامى وخطوت بثقة للداخل .. ما أن رآنى حسام حتى قام من مكانه وارتسمت نظرة دهشة فى عينيه .. تقدمت نحوه وسلمت عليه بابتسامة كبيرة وأبقيت يدى فى يده وأنا أراقبها بطرف عينى وقد تحول وجهها إلى لون أحمر فاق كل أصباغ وجهها .. وجلست بشموخ أمامه قائلة


- مكتبك أنيق يا حسام .. تلك أول مرة أراه


أجابنى بقلق


- خير يا شهد .. هل حدث شىء؟


أجبته بابتسامة


- لا تقلق يا حبيبى .. لكنى نسيت المفتاح فى البيت قبل أن أذهب لأمى فجئت آخذ مفتاحك إذا سمحت حتى أقوم بإعداد الغذاء قبل عودتك


تنهد فى ارتياح ثم أمسك بسلسلة مفاتيحه ونزع منها مفتاح البيت وناولنى إياه .. تناولته من يده وشكرته لكنه أمسك بيدى وسألنى بابتسامة أن أبقى قليلا وطلب لى كوب من العصير .. فعدت لمقعدى بسعادة واسترخيت فيه مرسلة نظرة من الطراز القادر على إذابة كتلة الابتذال الملونة تلك ومزج كل أصباغها معا بحيث لا يمكنك تمييز شىء منها




هل رأيتم تلك الوقاحة من قبل .. الآنسة تبرج تُظهر الغيرة على زوجى دون خجل كما لو كان يخصها .. فقد ظلت ترمقنى بنظرات حارقة ولما لم تجد ذلك مجديا فقد قامت من مكانها وظلت تمر من أمامنا باستفزاز.. كأنها تود أن تستعرض نفسها أمامى بملابسها الفاضحة .. يا لها من بلهاء .. ترى هل يمكننى تجاهلها بتلك البساطة .. لابد من درس صغير يعيد لها عقلها فى رأسها الأجوف هذا


أطلقت ضحكة خافتة من حديث حسام الذى لا يستدعى الضحك أبدا .. ثم قمت من مكانى بطريقة تبدو عفوية فى لحظة مدروسة وكوب العصير فى يدى وأنا أتحدث بحماس وأشير بيدى الحاملة للكوب فقط ليطير ما بداخله فى الهواء ويسقط فوق الهدف تماما .. لقد كانت ضربة صائبة حقا .. لم أكن أعرف أننى أجيد التصويب إلى هذه الدرجة .. ما أجمل قطراته وهى تسيل عليها من خصلات شعرها الملونة إلى وجهها المصبوغ إلى ملابسها المشينة وحتى حذاءها ذو الكعب العالى .. كان منظرها مروعا وقد أطلقت صرخة هستيرية بينما انفجر كل من بالمكتب فى نوبة ضحك هستيرية أيضا دون إبداء أى تعاطف معها .. تلك الفتاة لا تحظى بأى شعبية هنا .. تصنعت بعض الارتباك وأنا أحاول أن أزيل قطرات العصير عنها بطريقة تجعلها أكثر بشاعة وأنا أجاهد حتى لا أشارك الجميع ضحكاتهم الساخرة .. ويبدو أنها لم تحتمل فقد لاذت بالفرار من المكتب وهى ترغى وتزبد


تصنعت البراءة وأنا أوجه حديثى لتلك السيدة زميلتها
- يبدو أن المدام قد غضبت منى .. لم أكن أقصد أبدا


قالت لى بعدما هدأت قليلا من نوبة الضحك
- لا عليكِ منها .. ستأخذ باقى اليوم أجازة .. محظوظة الآنسة شيرين


التفت نحو حسام وقلت بابتسامة كبيرة
- لو علمت أن هذا الأمر يمنح أجازة .. لقمت بصب العصير عليك أنت حتى نعود للبيت سويا


انفجر زملائه بالضحك ثانية وعلى ما يبدو أنهم لن يتوقفوا أبدا .. وأسرعت أنا بالخروج وأنا احتضن مفتاح مملكتى بيدى .. وابتسامة كبيرة تعلو وجهى .. وشعور بالسعادة يغمر قلبى


مهلا يا شيرين .. لم انتهى منكِ بعد .. صبرا أيتها الوقحة


*********************
قد تدهشك قدرة زوجتك على الدفاع بشراسة نمرة إذا ما تعلق الأمر بامرأة أخرى لا مجال لوجودها قرب حدودك
*********************

يـــــوم كنت ملكـــــــة (19)



صفارات الإنذار تدوى فى عقلى .. انتبهى يا شهد .. احذرى يا شهد .. هناك خطر يتربص بنا .. يجب أن تنحى كل خلافاتكِ ومشاكلكِ مع حسام جانبا .. يجب أن تختفى كل مشاعركِ السلبية نحو حسام قبل أن يختفى حسام نفسه من حياتكِ


لا تشردوا بأذهانكم بعيدا .. أعرف زوجى جيدا وأثق به .. ولكن الأمر لا يتعلق به .. الأمر يتعلق بأخرى لا أثق بها بالتأكيد .. وهى من علىّ مواجهتها وإيقافها عند حدودها التى لا تعرفها هى كما يجب


وهذا ما كان


لقد ابتعت خطا جديدا لهاتفى .. فما سأفعله لا يجب أن يظهر به رقم هاتفى الذى يحفظه حسام عن ظهر قلب .. وبدأت العمل بعد خروج حسام بفترة مناسبة


صوت الاتصال الرتيب ينبعث من الهاتف يطن فى أذنى ويدفع دقات قلبى لمنافسته بخفقاتها المتسارعة وأخيرا أجابنى صوت أنثوى غنوج
- آلو


تلك النبرة وتلك الطريقة فى الرد على رقم غريب قد يكون لرجل قد أثارا غضبى تماما ولكنى ابتلعته فورا وأنا أجيب لأطيل الحديث


- السلام عليكم


- وعليكم السلام


بذات النبرة المائعة ردت علىّ .. أى إمرأة تلك


- عفوا أليس هذا هاتف مدام شيرين صبرى؟


- لا .. لقد أخطئتِ الرقم عزيزتى


أسرعت لأقول قبل أن تغلق الهاتف


- آسفة ولكن صوتكِ يشبه صوتها كثيرا يا مدام


ضحكت بدلال وهى تقول


- ليس صوتى فقط بل اسمى أيضا


أجبتها بدهشة مصطنعة


- أحقا اسمكِ أنتِ أيضا مدام شيرين صبرى


- لا يا عزيزتى فقط اسم شيرين لكن أنا شيرين عادل وأنا آنسة لست مدام


أجبتها بضحكة مفتعلة


- عفوا آنسة شيرين .. تشرفت بمعرفتكِ .. مع السلامة
وأغلقت الهاتف فورا وصدى كلماتها وضحكتها يتردد فى أذنى .. أكاد أحترق وأنا أتخيلها تتحدث لزوجى بتلك الطريقة وتصب ضحكاتها المائعة فى أذنيه .. يجب أن أتصرف سريعا


أين يمكن لزوجى أن يقابل تلك المرأة .. قد تكون إحدى عميلاته ولكن لو كان حديث عمل لم يبدو عليه الارتباك والدهشة لاتصالها به؟ .. علها إحدى زميلاته فى العمل .. فكرت قليلا ثم قمت بالاتصال برقم الشركة التى يعمل بها زوجى .. سألت من أجاب اتصالى عن الآنسة شيرين عادل .. فأخبرنى أنها موجودة وقام بتحويل الخط إليها وانتظرت حتى اقتحم صوتها أذنى وتأكدت من كونه يخصها ثم أغلقت الهاتف بهدوء .. حسنا يا عزيزتى .. لقد وفرتِ علىّ جهدا كبيرا فى البحث عنكِ .. ماذا تظنون أننى سأفعل الآن؟


بالطبع تحدونى رغبة كبيرة فى زيارة مقر عمل حسام .. ولابد من سبب مقنع لذلك .. لا تقلقوا كثيرا .. سأجد واحد حتما


********************
الدهـــــــــــــــــاء أنثى
*********************