غير مسموح تماما بالنقل !

الأحد، 6 مايو 2012

بعد غياب (2 - ذكريات)

2- ذكريات


 خيم الحزن على بيتنا مع وصول الخبر .. توفيت زوجة عمى أثناء ولادتها .. وكاد عمى أن يفقد عقله من الصدمة .. كل العائلة كانت منشغلة به .. تواسيه على ما أصابه .. لم يلتفت أحد إلى هذا الكائن الصغير الجميل الذى يبكى بخفوت .. وكأنه نال نصيبه من الحزن فور خروجه للحياة .. اقتربت منه وحملته بين يدىّ .. وجدت عينان جميلتان كأنهما عصفورتان على وشك التحليق .. كانتا تنظران إلىّ .. هل يرانى هذا الكائن أم عله شعر بى فقط .. أحس أن أحدا ما اهتم لأمره وضمه بحنان .. لقد مس شيئا ما فى قلبى .. شيئا ما جعلنى أتعهد برعايته .. وأن أقسم ألا أجعل شيئا يصيبه بالحزن والألم .. والأهم ألا أجعل هاتين العصفورتين اللتان تسكنا عينيه أن تبكيا بعد الآن لم أعلم وقتها أن كل هذا سيحدث وأن الملاك الصغير سيبقى فى رعايتنا .. وسيكبر بيننا .. وسأكون حارسه الخاص .. ومربيته الحنون .. وصديقه الوفى .. وعاشقه المجنون سافر عمى لانشغاله بأعماله خارج البلاد وترك صغيرتى فى رعايتنا .. هذا أجمل ما حدث لى فى الحياة .. تلك كانت أجمل هدية من عمى .. كبرت صغيرتى أمام عينى .. علمتها الحبو ولقنتها بعض الكلمات وأول ما لفظت منها هو اسمى .. لا تأكل إلا من يدى .. ولا تغفو إلا وأنا بجوارها أحكى لها حكاية .. تسعدنى ضحكتها وتقتلنى دموعها .. كم تشاجرت مع أطفال صغار أثاروا غضب حبيبتى .. لا يحق لمخلوق أن يفعل ذلك بصغيرتى .. لقد كنت أبا وصديقا فى سنى الصغيرة تلك .. وتحملت مسؤولياتها كاملة عن الجميع .. كنت كل شىء لها كما كانت هى كل شىء لى حتى هذا اليوم الذى عاد فيه عمى فجأة على غير موعد إجازاته المعتادة .. وليته لم يعد .. جاء فقط ليأخذ روحى من جسدى .. جاء لينزع قلبى من بين ضلوعى .. جاء ليحبس الهواء عن رئتى .. جاء ليأخذ منى صغيرتى وكأنه تذكر فجأة أنه أب وأن له ابنة على وجه الحياة .. أراد أن يحملها معه ببساطة إلى تلك البلاد البعيدة كما يحمل حقيبة سفره .. يا له من يوم شعرت فيه أن السماء أطبقت على الأرض وسُحقت أنا فيما بينهما .. كيف يفعل بى هذا .. لقد بكيت حتى جفت دموعى .. وصرخت حتى جُرحت حنجرتى .. ولكن أحد لم يسعه فعل شىء .. قالوا لى انها ابنته ومن حقه العيش معها .. حقا! .. هكذا فجأة تذكرها بعد سنوات سبع .. لقد ربيتها على يدى .. ورعيتها بحنانى .. وحميتها من كل شىء .. وعلمتها كل ما تعرف .. اسألوها .. ستخبركم أننى هو أبيها الحقيقى .. لا تأخذوا منى صغيرتى أرجوكم .. لا تقتلونى وأنا على قيد الحياة فعلت كل شىء صغيرتى .. ولم أستطع منعهم من أخذكِ بعيدا .. كم ليلة سوداء مرت علىّ بعدك .. كم نهار لم تزره الشمس قد توالى على نفسى الحزينة .. كم حلمت بعودتكِ إلىّ ثم أفيق على واقع لا تضمكِ حدوده .. كم شكوت غيابكِ لقطع السكر وحبات الياسمين ورمال البحر .. كم تعذبت صغيرتى وما شعر بعذابى أحد والآن بعد سنوات عشر قد انتهت عقوبتى .. الآن ستعودين لى صغيرتى .. وتعود لى الحياة .. وهل كان يجب أن تفارق الروح جسد عمى حتى تعود لجسدى أنا .. رحمك الله يا عمى .. لقد سامحتك الآن .. ما دامت ستعود لى صغيرتى من جديد لم أعلم أن عودة الروح للجسد مؤلمة كمغادرتها له .. فها أنا هنا اتعذب بنار الانتظار .. لم تحملنى قدمىّ حتى أذهب لاحضارها بنفسى .. كل جسدى ينتفض من الانفعال .. وأخشى أن يتوقف قلبى عن الخفق قبل أن أراها انتزعنى من ذكرياتى صوت الخادمة العجوز وهى تخبرنى بوصول صغيرتى أخيرا
.......... 
 يتبــــــع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق